محمد بن علي الشوكاني

4975

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

فإن قلت : من جملة الأدلة الخارجية القاضيةِ بترجيح عمومِ الحديثِ على عموم القرآنِ ما وقع منه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في معاقبته لمحمد بن مسلمةَ ، أو لأسامةَ ( 1 ) بن زيد على اختلاف الرواية لما قتَلَ كافِرًا تكلَّم بكلمة الشهادةِ عند رؤية السيفِ ، أو نحو هذه العبارة . فقال له : " هل شققتَ عن قلبه " ( 2 ) وكرر ذلك عليه حتى عاهد الله أن لا يقاتلَ بعدها من تكلَّم بكلمة الشهادةِ . والقصةُ معروفة مشهورةٌ .

--> ( 1 ) أخرج البخاري في صحيحه رقم ( 4269 ) وطرفه ( 6872 ) ومسلم رقم ( 96 ) وأبو داود رقم ( 2643 ) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما : " بعثنا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى الحُرَقة ، فصبَّحنا القوم فهزمناهم ، ولحقتُ أنا ورجلٌ من الأنصار رجلًا منهم ، فلما غشيناه قال : لا إله إلا الله ، فكفَّ الأنصاري ، فطعنته برمحي حتى قتلته ، فلما قدمنا بلغ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " يا أسامة أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله ؟ " قلت : كان متعوذًا . فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم " . قال الخطابي في " معالم السنن " ( 3 / 102 ) فيه من الفقه : أن الكافر إذا تكلم بالشهادة وإن لم يُصَفْ بالإيمان وجب الكف عنه والوقوف عن قتله سواء كان بعد القدرة عليه أو قبلها . وفي قوله : " هلا شققت عن قلبه " - وفي رواية أبي داود رقم ( 2643 ) - دليل على أن الحكم إنما يجري على الظاهر وأن السرائر موكولة إلى الله سبحانه . وفيه أنَّه لم يلزمه - مع إنكاره عليه - الدية ، ويشبه أن يكون المعنى فيه أن أصل دماء الكفار الإباحة وكان عند أسامة إنما تكلم بكلمة التوحيد مستعيذًا ، لا مصدقًا بها ، فقتله على أنه كافر مباح الدم فلم تلزمه الدية إذ كان في الأصل مأمورًا بقتاله والخطأ عن المجتهد موضوع . ويحتمل أن يكون قد تأول فيه قول الله تعالى : " فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا " [ غافر : 58 ] . وقوله في قصة فرعون : " الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين " [ يونس : 91 ] ، فلم يخلصهم إظهار الإيمان عن الضرورة والإرهاق من نزول العقوبة بساحتهم ووقوع بأسه بهم . قال الحافظ في " الفتح " ( 12 / 196 ) : كأنَّه حمل نفي النفع على عمومه دنيا وأخرى وليس ذلك المراد ، والفرق بين المقامين أنَّه في مثل تلك الحالة ينفعه نفعًا مقيَّدًا بأن يجب الكف عنه حتى يختبر أمره هل قال ذلك خالًصا من قلبه أو خشية من القتل ، وهذا بخلاف ما لو هجم عليه الموت ووصل خروج الروح إلى الغرغرة وانكشف الغطاء فإنه إذا قالها لم تنفعه بالنسبة لحكم الآخرة وهو المراد بالآية . ( 2 ) أخرجه أبو داود في " السنن " . رقم ( 2643 ) وهو حديث صحيح .